شجرة آل رضوان في السويداء : أبو عسلي - أبو سعدة - أبو كحلة - البيروتي - بشنق - دليقان - رفاعه - عمرو - فضّه - مرشد - مشرف - نمّور - البياع - مان الدين - أبو مراد     شجرة آل رضوان في لبنان : ابي سعدى - دليقان - باز - رضوان - زحلان - عمرو - مراد - عزالدين - غانم مخيبر - صنديد - مشرف - بشنق    شجرة آل رضوان في جرمانا : بو شاش - ستج - الشيخ

دبابة نايف مرشد رضوان

قصة تاريخية واقعية

بقلم : المحامي ماجد علي الأطرش

في غرة تشرين الأول من عام 1925م وعلى أعقاب معركة المسيفرة الرهيبة زحف الجنرال غاملان على رأس جيشه لإحتلال مدينة السويداء ، والمؤلف من فيلق الرماة الافريقيين ومن الكتيبة الأولى من فيلق الرماة التونسيين مع ثلاثة ألوية من فرق الخيالة بقيادة الكولونيل ماسيه كما رافق تلك الحملة العسكرية الضخمة عدد من بطاريات المدافع من عيار 75مم وعيار 65مم وكتيبة من الدبابات المدرعة.

اشتبكت هذه القوات مع ثوار بني معروف في موقع تل الحديد الكائن غرب مدينة السويداء وحمي وطيس المعركة وعندما ارتفعت الشمس إلى قرص السماء تقدمت الدبابات إلى أن اقتربت من التل الذي يرتفع قليلا عن سطح السهل والذي كان يتحصن به المجاهد الكبير حسين مرشد رضوان وأبناء عمومته وحوالي مائة مقاتل بقيادة المرحوم والدي المجاهد علي الأطرش بالإضافة لرهط كبير من شباب السويداء بقيادة المجاهد أسعد عزي .

وتحت وابل من الرصاص الغزير الذي تطلقه بنادق الرماة و الرشاشات وقصف المدافع تساقط كأوراق الشجر المدافعون المتحصنون في التل ومعظمهم من آل نعيم وآل رضوان وشباب السويداء

ولكن الثوار صمدوا في مرابضهم خلف الصخور ولحظة زحف الشاب الباسل نايف مرشد رضوان الصغير بالسن والكبير بالفعل على سواعد يديه ورجليه واستمر يزحف حتى اقترب من إحدى الدبابات المدرعة ولما بات على محاذاتها قفز من الأرض وتسلق صاعدا إلى سطحها ودخل من فتحة تلك الدبابة العليا الى جوفها ومسدسه بيده اليمين وقبل أن يطلق منه طلقة واحدة تلقاه أحد الجنود وأمسك يده وعصرها بشدة وساعده الجنود الاخرين الذين معه في جوف الدبابة الى أن تمكنوا من تكبيله وانتزاع مسدسه من يده.

وعلى أثر ذلك اتصلت الدبابة باللاسلكي بالكابتن غلوك وأبلغه هذا الحدث المروع الذي حصل بدبابته فأمره بالامتناع عن قتله ريثما يقرر مصيره الجنرال غالان قائد الحملة.

لم يصمد الثوار في تل الحديد أمام تلك القوات العسكرية العاتية بعد ان نفذت ذخيرتهم وترهلت عزائمهم من الجوع والعطش فتقدمت قوات الجنرال غاملان نحو قلعة السويداء الحالية لفك الحصار عن الذين احتموا خلف اسوارها على أثر معركة الكفر التي وقعت يوم 21تموز من ذلك العام 1925م.

اما اللاجئين إليها فقد كانوا من الضباط والعساكر الفرنسيين في محافظة السويداء وعائلاتهم مع شلة من معلمين المدارس الذين استقدمتهم السلطة الفرنسية ووزعتهم في قرى المحافظة لأغراض التجسس على الأهالي.

وفي العودة إلى المجاهد الأسير نايف مرشد رضوان فقد أمر المفوض السامي الفرنسي الجنرال ويغان باقتياده إلى مقره في بيروت لكي يقرر مصيره وبالوسيلة الملائمة للانتقام منه فيما إذا لم يشأ إحالته إلى المجلس العرفي العسكري للحكم عليه بالإعدام.

لقد وصل نبأ اقتياد الأسير نايف إلى الصحف اليومية التي تصدر في بيروت وتحدثت عنه قائلة : تحت وابل رصاص الرشاشات وشظايا قنابل المدافع التي كانت تطلقها على الثوار المتحصنين في تل الحديد. لم يخشى الأسير المقبوض عليه من الرصاص الطائش ولا من قنابل مدافع الهاون ولا من الرماة الذين كانوا يصبون نيرانهم كزخات المطر المنهمر بل ظل زاحفا مسافة عشرات الامتار إلى أن وصل إحدى الدبابات وهي تطلق حمم مدافعها نحو الاتجاه الذي يعبره زاحفا على ركبتيه وعندما وصل إليها قفز قفزة شيطانية على متنها وأسقط جسده وروحه في جوفها وإلى داخلها.

ولكن جنود الدبابة أمسكوا به بقوة سواعدهم وانتزعوا مسدسه من كلتا يديه وكبلوه بقيودهم الحديدية.

ونشرت الصحف صورة – طبق الأصل – عن مسدسه ووصفته بأنه مسدس قديم ومهترئ ويكتنفه الصدأ . ثم استمرت الصحف اليومية و المجلات في أعدادها تروي عنه الروايات والعجائب والمقالات إلى أن أصبحت قصتهم أحاديث رواد الصالونات و المقاهي في مدينة بيروت بعد ان أشاعت جريدة ” منتدى الوطن ” عن وصفه قائلة : أنه يشبه المارد وطوله يبلغ المترين وأكثر وشعر راسه يشبه ذيل الحصان ويغطي جبينه ووجهه بالكامل .

وقد بلغت أنباء الصحف واقاويلها عنه ووصلت إلى السيدة نظيرة جنبلاط قائدة الحزب الجنبلاطي الذي يعارض مسالك الحزب الأرسلاني المعادي للانتداب الفرنسي بقيادة الأمير شكيب أرسلان والأمير عادل أرسلان . وبدافع الفضول وحب الاستطلاع ولكي تقطع السيدة جنبلاط الشك باليقين توجهت سائرة من دار المختارة إلى مقر المفوض السامي الفرنسي على سوريا ولبنان الجنرال ويغان وطلبت منه إحضار الاسير المقاتل نايف مرشد إلى قاعة مكتبه لتراه بأم عينيها بعد أن روت عنه وعن اوصافه الصحف اللبنانية روايات اذهلتها واوحت لها بلزوم التأكد من حقيقتها؟ فرد عليها الجنرال قائلا : هذا ” الدرزي ” الذي تطلبين رؤيته لن أقرر إحالته إلى المجلس العسكري للحكم عليه بالإعدام شنقا حتى الموت وإنما سأنزل به عقوبة أشد وطأة من حبل المشنقة، سوف ارسله إلى جزيرة مدغشقر ليلقى في غابة مكتظة بالوحوش والافاعي السامة هو قرد حقيقي ويستحق مني هذه العقوبة الشديدة .

أجابته السيدة نظيرة قائله: أريد بكل إصرار رؤيته بأم عيني قبل أن تحظى بأي جواب على الكلام الذي تفوهت به الآن؟!

ثم احتدم النقاش بينها وبين المفوض حول إنزال العقاب الشديد به بدون رحمة لكونه أسير حرب وعصبة الأمم المتحدة والقانون الدولي يمنع الفتك به بالطرق الهمجية . واخيرا أمر الجنرال حراسه بجلبه إلى غرفته لتشاهده السيدة جنبلاط بأم عينيها، وحال إدخاله إلى القاعة التي تجلس بها حدقت عينيها به وتأملت بتقسيمات وجهه وطوله الفارع وببشرى وجهه الفضية وعيناه الزرقاوين وشعر رأسه الناعم ذو اللون الذهبي فدهشت وغرقت في الذهول من روعة ذلك الشاب الوسيم وربما هزتها القشعريرة من سيماته وجاذبيته! فنطقت تقول للجنرال : إنه يشبه الحمل الوديع … أنظر إلى أوصافه كلها تكذب الوصف الذي اشاعته الصحف اليومية التي قالت عنه يشبه الغوريلا وله ذيل … بحق السيد المسيح ألا يشبه الشباب الفرنسيين في فرنسا وباريس .

فرد عليها الجنرال بانفعال : إنه أحمق …. إنه مجنون ومتهور وقرد ,والشاب الفرنسي الذي على شاكلته لا يسري تحت وابل الرصاص وحمم القذائف وشظايا قنابل المدافع لكي يقفز إلى اجواف الدبابات ويقتل من فيها من العساكر .

اجابته السيدة جنبلاط قائلة : إذن انت تريد الاقتصاص منه بطريقة همجية لأنه شاب شجاع تعجز فرنسا أن تلد مثله ؟!

أما الشاب الأسير نايف لبث منتصب القامة وصامتا … إلى أن لاحظ السيدة جنبلاط غارقة بالشرود والذهول من خلال نظرات عينيها نحوه . ثم أدهشته عندما تفوهت لتقول له باللغة العربية : قلبك من صخر او من حديد ؟ كيف تسلقت على سطح الدبابة وهويت إلى داخلها ؟!

فرد عليها مازحا ودون اكتراث قائلا : ظننت يا سيدتي أنك أسيره أنا لم ارتكب جرما بحق الجنرال ولا بحق الجيش الفرنسي الذي احتل وطني .

وقت إذ أحس الجنرال والعساكر الذين من حول الأسير نايف أن ما تفوه وما عبر عنه تلقته السيدة نظيرة جنبلاط ببالغ الأهمية والحماس … لقد وقع عليها وقوع العاصفة فانتفضت تزمجر كاللبوة تخاطب الجنرال وقالت له : أقسم بروح زوجي فؤاد الذي اغتالته عصابة شكيب وهاب بسبب تعاونه معكم أيها الفرنسيون الطغاة .. إذا لم تقرر حضرتك إخلاء سبيل هذا الأسير البطل في الحال… سوف أضع على أكتافي البنادق والقنابل وأخرج أنا ورجالي إلى ساحات الوغى وميادين القتال مع سلطان الأطرش و فؤاد سليم ورشيد طليع والأمير عادل أرسلان .

أما إذا كنت مصرا ومصمما على إزهاق روحه وقتله في جزيرة مدغشقر او بأي وسيلة كانت فإني أفضل أن تقتلني معه في هذا المكان او في أي بقعة من بقاع الأرض..!

الجنرال انتابه الاحساس أنه أمام معضلة تثقل أنفاسه وتجلب له التهمة و اللوم من حكومة بلاده في فرنسا فاستغرق بالذهول وشرد متأملا و ظل صامتا إلى أن نطق قائلا للسيدة جنبلاط : لك هذا الأسير ” القرد “فإنني قررت تسليمه لك اعتبارا من هذه اللحظة بشرط أن تبقي أنت و من في صفك من الرجال الدروز الأوفياء لفرنسا العظمى وداعمة لها.

تلقيت مضمون هذه القصة :

من المرحوم نايف مرشد نفسه والد المرحومة زوجتي نجوى

من أخي العقيد المرحوم حمد الأطرش قائد سلاح الخيالة في الجيش السوري عام 1949م والصديق الرفيق للمرحوم المجاهد نايف مرشد رضوان منذ الطفولة .

من الصحفي الكبير المرحوم أبو فوزي سلمان حمزة .

السويداء. المحامي ماجد الأطرش

ny1 ny2

 

التعليقات مغلقة.